محمد بن جرير الطبري

166

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تيم الله ، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ، فقال : يا أبا عبد الرحمن : إنا قوم نكري التجارة في الحج فيزعمون أنه ليس لنا حج ؟ قال : ألستم تحرمون كما يحرمون ، وتطوفون كما يطوفون ، وترمون كما يرمون ؟ قال : بلى ، قال : فأنت حاج ؛ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه ، فنزلت هذه الآية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يتجروا بتجارة التجارة في الحج ، ولم يعرجوا على كسير ، ولا على ضالة ؛ فأحل الله ذلك ، فقال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ إلى آخر الآية . حدثني سعيد بن الربيع الرازي ، قال : ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية ، فكانوا يتجرون فيها ، فلما كان الإِسلام كأنهم تأثموا منها ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ يعني جل ثناؤه بقوله : فَإِذا أَفَضْتُمْ فإذا رجعتم من حيث بدأتم . ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأَيسار مفيض ، لجمعه القداح ثم إفاضته إياها بين الياسرين ، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأَسدي : فقلت لها ردي إليه جنانه * فردت كما رد المنيح مفيض ثم اختلف أهل العربية في عرفات ، والعلة التي من أجلها صرفت وهي معرفة ، وهل هي اسم لبقعة واحدة أم هي لجماعة بقاع ؟ فقال بعض نحويي البصريين : هي اسم كان لجماعة مثل مسلمات ومؤمنات ، سميت به بقعة واحدة فصرف لما سميت به البقعة الواحدة ، إذ كان مصروفا قبل أن تسمى به البقعة تركا منهم له على أصله ؛ لأَن التاء فيه صارت بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون لأَنه تذكيره ، وصار التنوين بمنزلة النون ، فلما سمي به ترك على حاله كما يترك " المسلمون " إذا سمي به على حاله قال : ومن العرب من لا يصرفه إذا سمي به ، ويشبه التاء بهاء التأنيث ؛ وذلك قبيح ضعيف . واستشهدوا بقول الشاعر : تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عالي ومنهم من لا ينون أذرعات ، وكذلك عانات وهو مكان . وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما انصرفت عرفات لأَنهن على جماع مؤنث بالتاء . قال : وكذلك ما كان من جماع مؤنث بالتاء ، ثم سميت به رجلا أو مكانا أو أرضا أو امرأة انصرفت . قال : ولا تكاد العرب تسمي شيئا من الجماع إلا جماعا ، ثم تجعله بعد ذلك واحدا . وقال آخرون منهم بعض نحويي الكوفيين : ليست عرفات حكاية ولا هي اسم منقول ؛ ولكن الموضع مسمى هو وجوانبه بعرفات ، ثم سميت بها البقعة اسم للموضع ، ولا ينفرد واحدها . قال : وإنما يجوز هذا في الأَماكن والمواضع ، ولا يجوز ذلك في غيرها من الأَشياء . قال : ولذلك نصبت العرب التاء في ذلك لأَنه موضع ، ولو كان محكيا لم يكن ذلك فيه جائزا ، لأَن من سمى رجلا مسلمات أو بمسلمين لم ينقله في الإِعراب عما كان عليه في الأَصل ، فلذلك خالف عانات وأذرعات ما سمي به من الأَسماء على جهة الحكاية . واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لعرفات عرفات ؛ فقال بعضهم : قيل لها ذلك من أجل أن إبراهيم خليل الله صلوات الله عليه لما رآها عرفها بنعتها الذي كان لها عنده ، فقال : قد عرفت ، فسميت عرفات بذلك . وهذا القول من قائله يدل على أن عرفات اسم للبقعة ، وإنما سميت بذلك لنفسها وما حولها ، كما يقال : ثوب أخلاق ، وأرض سباسب ، فتجمع بما حولها . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي ، قال : لما أذن إبراهيم في الناس بالحج ، فأجابوه بالتلبية ، وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها فخرج ، فلما بلغ الشجرة عند العقبة ، استقبله الشيطان يرده ، فرماه بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة . فطار فوقع على الجمرة الثانية ، فصده أيضا ، فرماه وكبر فطار فوقع على الجمرة الثالثة ، فرماه وكبر فلما رأى أنه لا يطيقه ، ولم يدر إبراهيم أين يذهب ، انطلق حتى أتى ذا المجاز ، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز ، فلذلك سمي